الشيخ محمد الخضري بك

145

نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

رجالها كذلك ، وأخبروهم بمبايعة قريش لهم على الحرب ، فوجدوا منهم ارتياحا ، فتجهزت قريش وأتباعها يرأسهم أبو سفيان ، ويحمل لواءهم عثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري ، وعددهم أربعة آلاف معهم ثلاثمائة فرس وألف بعير . وتجهزت غطفان يرأسهم عيينة بن حصن الذي جازى إحسان رسول اللّه كفرا ، فإنه كما قدّمنا أقطعه أرضا يرعى فيها سوائمه ، حتى إذا سمن خفّه وحافره ، قام يقود الجيوش لحرب من أنعم عليه ، وكان معه ألف فارس . وتجهّزت بنو مرّة يرأسهم الحارث بن عوف المري وهم أربعمائة ، وتجهّزت بنو أشجع يرأسهم أبو مسعود ابن رخيلة « 1 » ، وتجهّزت بنو سليم يرأسهم سفيان بن عبد شمس ، وهم سبعمائة ، وتجهّزت بنو أسد يرأسهم طليحة بن خويلد الأسدي ، وعدة الجميع عشرة آلاف محارب قائدهم العام أبو سفيان . ولمّا بلغه عليه الصلاة والسلام أخبار هاته التجهيزات ، استشار أصحابه فيما يصنع أيمكث بالمدينة أم يخرج للقاء هذا الجيش الجرّار ؟ فأشار عليه سلمان الفارسي بعمل الخندق وهو عمل لم تكن العرب تعرفه ، فأمر عليه الصلاة والسلام المسلمين بعمله ، وشرعوا في حفره شمالي المدينة من الحرة الشرقية إلى الحرة الغربية ، وهذه هي الجهة التي كانت عورة تؤتى المدينة من قبلها . أما بقية حدودها فمشتبكة بالبيوت والنخيل ، لا يتمكّن العدو من الحرب جهتها ، وقد قاسى المسلمون صعوبات جسيمة في حفر الخندق ، لأنهم لم يكونوا في سعة من العيش حتى يتيسر لهم العمل ، وعمل معهم عليه الصلاة والسلام ، فكان ينقل التراب متمثّلا بشعر ابن رواحة : اللهمّ لولا أنت ما اهتدينا * ولا تصدقنا ولا صلّينا فأنزلن سكينة علينا * وثبّت الأقدام إن لاقينا والمشركون قد بغوا علينا * وإن أرادوا فتنة أبينا « 2 » وأقام الجيش في الجهة الشرقية مسندا ظهره إلى سلع وهو جبل مطل على المدينة وعدّتهم ثلاثة آلاف ، وكان لواء المهاجرين مع زيد بن حارثة ، ولواء الأنصار مع سعد بن عبادة . أما قريش فنزلت بمجمع الأسيال « 3 » ، وأما غطفان

--> ( 1 ) في الأصل أبو مسعود وهو خطأ وفي الإصابة وأسد الغاية مسعود بن رخيلة الأشجعي ثم أسلم فحسن اسلامه ( 2 ) في البخاري وفي رواية أخرى عن البراء فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة ثم ذكر الرجز السابق . ( 3 ) الموضع الذي تجتمع فيه السيول .